ابن عجيبة
145
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الملائكة ، فركّب اللّه تعالى فيهما الشهوة ، وأمرهما أن يحكما في الأرض بين الناس بالحق ، ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق ، والزنا وشرب الخمر ، فكانا يقضيان بين الناس يومهما ، فإذا أمسيا ذكرا اسم اللّه الأعظم وصعدا إلى السماء ، فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة يقال لها الزهرة : وكانت من أجمل النساء من أهل فارس ، فأخذت بقلبيهما ، فراوداها عن نفسها ، فأبت ، ثم عاودت في اليوم الثاني ، ففعلا مثل ذلك فأبت ، وقالت : إلا أن تعبدا ما أعبد ، وتصليا لهذا الصنم ، وتقتلا النفس وتشربا الخمر ، فأبيا هذه الأشياء ، وقالا : إن اللّه نهانا عنها ، فانصرفت ، ثم عادت في اليوم الثالث ، فراوداها ، فعرضت عليهما ما قالت بالأمس ، فقالا : الصلاة لغير اللّه ذنب عظيم ، وأهون الثلاثة شرب الخمر ، فشربا ، وانتشيا ، ووقعا بالمرأة ، فلما فرغا رآهما إنسان فخافا أن يظهر عليهما فقتلاه . وفي رواية عن سيدنا على - كرم اللّه وجهه - أنه قال : ( قالت لهما : لن تدركانى حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء ، فقالا : باسم اللّه الأعظم ، فعلماها ذلك ، فتكلمت به ، وصعدت إلى السماء فمسخها اللّه كوكبا ) . ولذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى سهيلا قال : « لعن اللّه سهيلا ؛ كان عشّارا باليمن ، ولعن اللّه الزهرة ، وقال : إنها فتنت ملكين » . قلت : قصة هاروت وماروت ذكرها المنذري في شرب الخمر ، وقال في حديثها : رواه أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق زهير بن محمد ، وقد قيل : إن الصحيح وقفه على كعب . ه . وقال ابن حجر : قصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن ، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه . وتمام قصتهما : أنهما لما قارفا الذنب وجاء المساء همّا بالصعود ، فلم تطاوعهما أجنحتهما ، فعلما ما حل بهما ، فقصدا إدريس عليه السّلام ، فأخبراه ، وسألاه الشفاعة إلى اللّه تعالى فشفع فيهما ، فخيرهما اللّه تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا لانقطاعه ، فهما يعذبان في بئر ببابل ، منكسان معلقان بالسلاسل من أرجلهما ، مزرقة أعينهما ، ليس بينهما وبين الماء إلا قدر أربعة أصابع ، وهما يعذبان بالعطش « 1 » . ه . فإن قلت : الملائكة معصومون فكيف يصح هذا من هاروت وماروت ؟ قلنا : لما ركب اللّه فيهما الشهوة انسلخا من حكم الملكيّة إلى حكم البشرية ابتلاء من اللّه تعالى لهما ، فلم يبق لهما حكم الملائكة من العصمة .
--> ( 1 ) أعلّ أهل العلم بالحديث هذه الروايات ، وحكم بوضعها ابن الجوزي في الموضوعات ، وقال القاضي عياض : لم يرد في ذلك شئ أصلا لا سقيم ولا صحيح . وردّ القصة جل المفسرين ، وقال الحافظ ابن كثير : ظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها . فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى . انظر في الموضوع : الشفا للقاضي عياض ، وتعليق الشيخ أحمد شاكر على مسند الإمام أحمد ، وتعليقه على تفسير الطبري ، وكتاب الإسرائيليات والموضوعات لأبى شهبة رحمه الله - .